مدن المستقبل
بقلم Margherita Steffanon
·
مدن المستقبل
أدت الجائحة حتمًا إلى إعادة النظر في مفهوم المدينة، مما سرّع وتيرة سلسلة من المشاريع، بعضها، وإن كان لا يزال على الورق، يهدف إلى إنشاء مدن مستقبلية قادرة على ضمان أقصى درجات الرفاهية لسكانها. من السعودية إلى اليابان، ومن الولايات المتحدة إلى جزر المالديف، تتبلور رؤى مسترشدة بتطلعات نحو الاستدامة والابتكار التكنولوجي. ورغم أنها لم تُطبّق بعد، فإن هذه المختبرات الابتكارية الجارية تساعدنا على فهم الاتجاهات التي يسلكها تخطيط المراكز الحضرية المستقبلية.
الخط
يمثل مشروع "ذا لاين" في المملكة العربية السعودية مستقبل الحياة الحضرية.
إنها ثورة حضارية تضع الإنسان في المقام الأول، وتوفر تجربة معيشية حضرية غير مسبوقة مع الحفاظ على الطبيعة المحيطة. إنها تعيد تعريف مفهوم التنمية الحضرية وكيف ينبغي أن تبدو مدن المستقبل.
لا طرق ولا سيارات ولا انبعاثات، ستعمل المدينة بالطاقة المتجددة بنسبة 100%، وسيتم الحفاظ على 95% من أراضيها للطبيعة. ستُعطى الأولوية لصحة ورفاهية السكان على حساب النقل والبنية التحتية، على عكس المدن التقليدية. يبلغ عرضها 200 متر فقط، لكن طولها 170 كيلومترًا، وترتفع 500 متر فوق مستوى سطح البحر.
سيستوعب مشروع "ذا لاين" في نهاية المطاف 9 ملايين نسمة، وسيُقام على مساحة لا تتجاوز 34 كيلومترًا مربعًا. هذا يعني تقليصًا كبيرًا في مساحة البنية التحتية، مما يُحقق كفاءة غير مسبوقة في وظائف المدينة. كما سيضمن المناخ المثالي على مدار العام تمتع السكان بالطبيعة المحيطة. وسيتمكن السكان أيضًا من الوصول إلى جميع المرافق في غضون خمس دقائق سيرًا على الأقدام، بالإضافة إلى قطار فائق السرعة يستغرق الوصول إليه من البداية إلى النهاية 20 دقيقة.
مدينة الغابة
تمتد مدينة الغابة في المكسيك على مساحة 557 هكتارًا، وتتسع لما يصل إلى 130 ألف نسمة. تضم المنطقة الحضرية 362 هكتارًا من المساحات الخضراء و120 ألف نبتة تنتمي إلى 350 نوعًا مختلفًا، مصممة لتكون مدينة منفتحة وعالمية مستوحاة من قيم الابتكار التكنولوجي والجودة البيئية. في الواقع، بفضل الحدائق الكبيرة الجديدة، والأسطح الخضراء، والواجهات الخضراء، تتساوى مساحة الأراضي المستخدمة للمساحات الخضراء مع مساحة المناطق المبنية.
تم تصميم مدينة الغابة الذكية كمستوطنة مكتفية ذاتياً من وجهة نظر الطاقة من خلال حلقة محيطية من الألواح الكهروضوئية وقناة مائية متصلة بنظام تحت الأرض إلى البحر مما يسمح بتغذية المدينة بطريقة مستدامة.
كما أن مدينة الغابة الجديدة في طليعة المدن من حيث التنقل بفضل نظام النقل المفصلي الذي يوفر التنقل الداخلي الكهربائي وشبه الآلي بالكامل.
ثمة حاجة إنسانية ملحة لإيجاد حلول تتضمن تغييرًا جذريًا في منظورنا لكيفية تنفيذ الأنشطة، بدءًا من أساليب الإنتاج وصولًا إلى أساليب الاستهلاك. ويمكن تلخيص المسار نحو سلع وخدمات أقل استهلاكًا للمواد وأقل سمية في أربعة مبادئ أساسية: التقليل، والإصلاح، وإعادة الاستخدام، والتدوير. وتلبي مدينة الغابات الذكية هذه الاحتياجات التنموية، إذ تُتيح التعليم والتمكين الاقتصادي - لا سيما للنساء - من خلال تطوير حلول وأنماط حياة وسلوكيات أكثر كفاءة بيئيًا بشكل جذري، بدءًا من خفض الطلب الإجمالي على الطاقة وتقليل إنتاج النفايات.

مدينة أيكون
لا شك أن عشاق السينما يتذكرون فيلم "النمر الأسود" الذي تدور أحداثه حول مملكة أفريقية خيالية تُدعى واكاندا. وإذا كان الفيلم نتاج خيال مؤلفيه، الذين استلهموا فكرته من إحدى قصص مارفل المصورة الشهيرة، فإن ما يحدث في السنغال حقيقي. ففي هذه الدولة الأفريقية، يقوم المغني الأمريكي من أصل أفريقي الشهير، أيكون، ببناء مدينة جديدة مستوحاة من الفيلم.
يقع المشروع الضخم الذي تبلغ قيمته 6 مليارات دولار بالقرب من داكار، ويتضمن بناء مدينة جديدة تسمى مدينة أكون والتي يمكن أن تكون، وفقًا لنوايا المؤسس، "موطنًا لجميع الأفارقة في العالم".
بحسب المشروع، سيكون هناك مستشفى، ومئات الشقق، ونظام كهرباء يعمل بالطاقة الشمسية، ومرافق عامة ومدارس، ولكن قبل كل شيء حدائق وناطحات سحاب تبدو وكأنها خرجت من فيلم خيال علمي.
مشروع مدينة أيكون طموحٌ للغاية، لدرجة أن مغني الراب يرغب في أن تمتلك المدينة عملتها الخاصة، وهي عملة رقمية مشفرة تحمل اسم "أكوين". يوجد بالفعل حساب رسمي على تويتر للعملة الجديدة التي ابتكرها أيكون، ويبدو أن الفكرة تكمن في زيادة قيمة العملة من خلال الترويج لأخبار بناء المدينة. باختصار، كلما زاد الحديث عن هذه المدينة المستقبلية فائقة التطور، زادت الاستثمارات في "أكوين"، مما سيرفع قيمتها بشكل متزايد.

المدينة العائمة
يهدد ارتفاع منسوب مياه البحر جزر المالديف، وهي جنة استوائية في المحيط الهندي. وتعمل الحكومة على إيجاد حل، وتخطط لإنشاء مدينة عائمة تضم حوالي 5000 وحدة سكنية وغير سكنية.
مدينة عائمة تتبع حركة الأمواج، بتصميم يُشبه المرجان عند النظر إليها من الأعلى. إنه مشروع "مدينة المالديف العائمة" المستقبلي، الذي يُبنى في جزر المالديف. مدينة ستعيش على الماء، الأولى من نوعها في العالم، وقد قطعت شوطاً كبيراً في بنائها.
تُعد المدينة العائمة استجابة ملموسة للمشكلة الخطيرة المتمثلة في ارتفاع مستوى سطح البحر، والتي تهدد الأرخبيل.
المدينة العائمة هي بديل جديد يتيح نقل 20 ألف شخص إلى منطقة عائمة شاسعة تمتد على مساحة 200 هكتار، تضم 5 آلاف منزل، على بُعد 10 دقائق بالقارب من العاصمة ماليه. باختصار، أشبه بسفينة نوح عصرية، ومن المقرر إنجازها في وقت قياسي. وقد تم تصميم المشروع، بالتعاون مع الحكومة المحلية، من قِبل فريق المهندسين المعماريين الهولنديين "ووترستوديو"، المتخصص في الإنشاءات المبتكرة على الماء، وبالشراكة مع "داتش دوكلاندز".
صُمم مشروع المدينة العائمة بأكمله، نظراً لتأثيره على نظام بيئي هش وثمين، ولا سيما الشعاب المرجانية، ليكون مستداماً بيئياً قدر الإمكان. من المتوقع اكتمال مشروع مدينة جزر المالديف العائمة بحلول عام ٢٠٢٧، حيث وصل المشروع بالفعل إلى مراحل متقدمة، وسيصل أول سكانه خلال العامين المقبلين.

أمارافاتي
أمارافاتي، العاصمة الجديدة لولاية أندرا براديش الهندية، لن تكون مجرد مدينة ضخمة قادرة على استيعاب ما يصل إلى 35 مليون نسمة، بل ستكون قبل كل شيء مدينة مثالية، مبنية على ضفاف نهر كريشنا وفقًا لأحدث مبادئ الاستدامة. هذا ما أكده نورمان فوستر من مكتب فوستر وشركاؤه المعماري المرموق، الذي يعمل حاليًا على وضع اللمسات الأخيرة للمشروع الذي سيؤدي إلى بناء مركز أمارافاتي. يمتد هذا المركز على مساحة 217 كيلومترًا مربعًا تقريبًا، ويتألف من 60% من حدائق ومساحات خضراء وقنوات مائية، وسيضم مبنيي المجلس التشريعي والمحكمة العليا.
ستضم هذه العاصمة المثالية 13 ساحة، مستوحاة من أشهر معالم العالم، ساحة لكل حي من أحياء المدينة، بالإضافة إلى شبكة واسعة من مسارات الدراجات، وقنوات مستوحاة من قنوات أمستردام تعبرها قوارب الأجرة البحرية، وطرق مخصصة للسيارات الكهربائية وأخرى مصممة خصيصًا للمشاة لتشجيعهم على المشي. ستُغطى مدينة أمارافاتي بالكامل بشبكة واي فاي، وسيتم تسجيل كل منزل في قاعدة بيانات خاصة. كما يولي المشروع اهتمامًا كبيرًا بالتعليم والصحة. وتطمح الحكومة إلى أن تصبح العاصمة الجديدة مركزًا جامعيًا متميزًا، وأن تُطوّر نظامًا صحيًا يضمن أعلى معايير الرعاية لجميع المواطنين.
انطلق المشروع عام ٢٠١٤، بعد إعادة ترسيم الحدود الهندية التي أدت إلى تقسيم جزء من ولاية أندرا براديش، ونشوء ولاية جديدة هي تيلانجانا، وعاصمتها حيدر آباد، التي كانت عاصمة ولاية أندرا براديش بأكملها. ومن هنا برزت الحاجة إلى عاصمة جديدة، تم اختيار مدينة أمارافاتي. ولذلك، أطلق حكام هذه الولاية الواقعة في وسط الهند مشروعًا ضخمًا بتكلفة باهظة، خصصوا له ٣.٢ مليار دولار، بالإضافة إلى قرض بقيمة مليار دولار ممول من البنك الدولي وبنك الاستثمار الآسيوي، بهدف بناء مدينة فريدة من نوعها في العالم.

وكيف تتخيل مدن المستقبل؟
